ارتفاع حوادث السير بمدينة طنجة بين السلوك الفردي واختلالات المنظومة

تشهد طنجة في الآونة الأخيرة ارتفاعاً مقلقاً في عدد حوادث السير، ما أصبح يشكل هاجساً حقيقياً لدى السلطات والمواطنين على حد سواء. ولم تعد هذه الحوادث مجرد وقائع معزولة، بل تحولت إلى ظاهرة مركبة تعكس اختلالات متعددة، تمتد من سلوك السائق إلى عمق المنظومة التربوية والمجتمعية، وصولاً إلى تدبير الشأن العام والبنية التحتية.
في مقدمة أسباب هذه الحوادث، تبرز السرعة المفرطة والتهور في القيادة، حيث يعمد بعض السائقين إلى تجاوز الحدود القانونية، غير آبهين بخطورة ذلك على حياتهم وحياة الآخرين. كما أن عدم احترام قانون السير، من قبيل التجاوز المعيب أو تجاهل إشارات المرور، يزيد من حدة الوضع ويضاعف من احتمالات وقوع حوادث خطيرة.
ويشكل تعاطي المخدرات عاملاً بالغ الخطورة، إذ يؤثر بشكل مباشر على تركيز السائق وقدرته على التحكم في المركبة، مما يؤدي في كثير من الحالات إلى فقدان السيطرة ووقوع حوادث مميتة. هذه السلوكيات لا تنفصل عن سياق أوسع، يعكس ضعف الوعي بخطورة الطريق وغياب الإحساس بالمسؤولية.
ومن زاوية أعمق، تطرح هذه الظاهرة تساؤلات حول دور منظومة التربية والتعليم في ترسيخ قيم المواطنة والانضباط. فالتعليم الذي لا ينجح في غرس احترام القانون والحفاظ على السلامة العامة، يساهم بشكل غير مباشر في إنتاج سلوكات متهورة. كما أن ضعف التأطير الأسري وغياب خطاب مجتمعي موحد يعزز القيم الإيجابية، يزيد من اتساع دائرة هذه الظواهر.
وفي السياق ذاته، يبرز غياب رؤية مجتمعية شاملة تحمي الأفراد من الآفات المختلفة، مثل المخدرات والعنف والاستهتار بالقانون. فالمجتمع الذي لا يؤطر أفراده بقيم واضحة ولا يوفر آليات وقائية فعالة، يجد نفسه أمام سلوكات تهدد سلامته واستقراره.
أما على المستوى السياسي، فإن الانشغال بقضايا ثانوية أو بصراعات ظرفية، على حساب الأولويات المرتبطة بحياة المواطن وسلامته، يساهم في تعميق الإشكال. إذ يفترض أن تكون كرامة المواطن وسلامته في صلب السياسات العمومية، باعتبار أن الوطن هو الإطار الجامع الذي يحمي الأسرة ويضمن استقرارها.
وفي مقابل هذه التحديات، تظل المراقبة الصارمة في الطرقات من بين أهم الآليات الردعية. فتكثيف المراقبة الأمنية، واعتماد وسائل حديثة لرصد المخالفات، وتطبيق العقوبات بشكل حازم، كلها عوامل من شأنها الحد من التهور. وفي هذا الإطار، تقوم المديرية العامة للأمن الوطني بدور مهم، غير أن فعالية تدخلها تظل رهينة بتوفير الإمكانيات الكافية وتعزيز التنسيق مع باقي المتدخلين.
كما أن إصلاح البنية التحتية للطرقات يعد عاملاً حاسماً في الحد من الحوادث، إذ إن جودة الطرق، ووضوح التشوير، وتوفر الإنارة، وصيانة الممرات، كلها عناصر أساسية لضمان سلامة مستعملي الطريق. فالطريق غير المهيأة قد تتحول إلى عنصر خطر، حتى في ظل احترام القوانين.
إن ارتفاع حوادث السير في طنجة ليس مجرد نتيجة لسلوك فردي معزول، بل هو انعكاس لاختلالات متداخلة تشمل التربية، والمجتمع، والسياسة، والمراقبة، والبنية التحتية. ومعالجة هذه الظاهرة تتطلب رؤية شمولية وإرادة جماعية حقيقية، تجعل من سلامة المواطن وكرامته أولوية قصوى، وتعيد الاعتبار لقيم المسؤولية والانضباط، حفاظاً على الأرواح وصوناً لمستقبل المجتمع.
هشام بوغابة



