متفرجون على العالم…

في هذا العالم الذي يركض بسرعة الضوء، حيث تُصنع الحضارات في المختبرات وتُدار الاقتصادات بالعقول والمعرفة، يظل السؤال معلقًا في سماء أوطاننا: ما موقع من لا يمتلك معرفة ولا تكنولوجيا في زمنٍ أصبحت فيه الفكرة أقوى من السلاح؟
إن الأمم التي لا تستثمر في العقل، إنما تحكم على نفسها بالبقاء في الهامش. فحين يصبح التعليم آخر ما يُفكَّر فيه، وحين تُشيَّد المنابر للتفاهة وتُصنع لها رموز براقة، يتحول المجتمع شيئًا فشيئًا إلى متفرج على مسرح العالم، لا فاعل فيه.
المأساة ليست في الفقر المادي وحده، بل في الفقر الفكري؛ ذلك العجز الذي يصنعه الإنسان لنفسه حين يرضى بالإعاقة الذهنية، ويستبدل السؤال بالتقليد، والمعرفة بالضجيج.العالم اليوم لا ينتظر أحدًا.
الأمم التي تفكر تتقدم، والتي تتعلم تصنع مكانها، والتي تبتكر تكتب تاريخها بيدها. أما من يكتفي بالمشاهدة، فلن يكون له من التاريخ إلا الهامش.
فهل كتب اوطاننا أن نكون متفرجين؟
أم أن في داخل هذه الأمة بذرة وعي قادرة، إن أُحسن رعايتها، أن تتحول إلى عقلٍ ينهض من سباته ويستعيد مكانه بين صناع المستقبل؟
إن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تأخرنا؟بل: متى نقرر أن نبدأ.
وفي جانب آخر و امام المستجدات التي يعرفها العالم ، ما موقعنا من الصراعات و الحروب التي تدار حولنا؟
سؤال يطلّ كل مرة من ركام صراع او حربٍ تنتهي، لنكتشف بعدها أننا نعود من جديد إلى نقطة البداية… إلى الصفر.
العالم يتصارع، نعم. لكن هناك من يخرج منها أكثر قوة، لأن خلفه علماً يصنعه، واقتصاداً يسنده، ومؤسساتٍ تعرف كيف تحوّل المحنة إلى بداية أخرى.
وهناك من تتركه الصراعات في المكان نفسه، كأن الزمن يدور حوله ولا يمضي به خطوة واحدة.
هذه المشاكل و الاحباطات جزء من تاريخ البشر منذ القدم.
المأساة الحقيقية أن تبقى امم خارج معادلة الفعل، تعيش آثار الصراع دون أن تملك أدوات التأثير فيه.
فكل حرب في العالم تعيد ترتيب الموازين:
تتغير القوى، تتبدل المصالح، وتُرسم خرائط جديدة للنفوذ والمعرفة والاقتصاد.
أما الطرف الاخر، فكأننه يقف على الهامش، يراقب المشهد من بعيد، ثم يبدأ من الصفر… مرة أخرى.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
هل الصفر قدرٌ مكتوب، أم هو نتيجة خياراتٍ مؤجلة وإراداتٍ لم تُحسم بعد؟
فالأمم لا تُولد قوية، بل تصنع قوتها حين تدرك أن مكانها في التاريخ لا يُمنح، بل يُنتزع بالعلم، والعمل، وبناء الإنسان.
لذلك يبقى الأمل معلقًا على لحظة وعي:
لحظة تدرك فيها الامم أن الخروج من الصفر لا يبدأ من السياسة وحدها، بل من المدرسة، ومن العقل، ومن الإيمان بأن المستقبل ليس صدفة… بل قرار.
هشام بوغابة



