فن وثقافة

أزمة الاعتقاد بين التأويل والاكتشاف… تاريخ يعود الى 773 ألف سنة قبل…مقالع طوما بالدار البيضاء

في جنوب-غرب الدار البيضاء، داخل منطقة مقالع طوما، وتحديدا في مغارة البقايا البشرية، أعاد فريق مغربي-فرنسي ودولي فتح صفحة شبه منسية من تاريخ الإنسان، صفحة تعود إلى نحو 773 ألف سنة. عثر فيها على فكين سفليين لراشدين، وفك لطفل لم يتجاوز عامه الأول والنصف، إضافة إلى أسنان وبقايا فقرات وعظم فخذ.

اكتشاف علمي موثق، نشر في دورية نيتشر، لا يترك مجالا للارتجال أو التخمين.

غير أن السؤال لا يقف عند حدود العظام والتواريخ، بل يمتد إلى ما هو أعمق: كيف يتعامل التأويل الديني التقليدي مع هذه الوقائع؟

ففي الوعي التأويلي الشائع، يُختزل أصل الإنسان في سردية واحدة، زمنية ومكانية محددة، تُقدم غالبا كحقيقة نهائية لا تقبل المراجعة. بينما يأتي العلم، لا لينقض الإيمان، بل ليقترح سردية أكثر تعقيدا، متعددة الفصول، تتسع للزمن والتنوع والاحتمال.

لطالما تمركزت بدايات الإنسان في المخيال العام حول شرق أفريقيا، وأحيانا أوروبا، أما شمال أفريقيا فكان يرى كمجرد ممرر. لكن هذا الاكتشاف يخلخل تلك الطمأنينة الفكرية: شمال أفريقيا كان جزءا من قلب القصة، لا هامشها.

ان العلم الأصيل لا يسأل: من خُلق أولا؟ بل يسأل: كيف تطور الإنسان؟ ومتى؟ وأين؟

بينما يصر الاعتقاد التقليدي، حين يغلق على نفسه، على جواب واحد، حتى ولو تغيرت الأسئلة.

إن التناقض الحقيقي لا يكمن في الاكتشافات، بل في خوفنا من إعادة التفكير.

فالاعتقاد الذي يخشى العلم يتحول إلى قيد، والعلم الذي يُستعمل لنفي المعنى يتحول إلى فراغ. وبين الاثنين، يقف الإنسان الحديث حائرا، ممزقا بين نص يطلب اليقين، وواقع يكشف التعقيد.

هشام بوغابة 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى