أمة تتساءل عن الجدوى… وأخرى تصنع المعنى

في اللحظة التي نطرح فيها سؤال: ما جدوى اكتشاف الفضاء؟ نكون، دون أن نشعر، قد فتحنا بابًا أوسع بكثير… بابًا يقودنا إلى مساءلة أعمق: ما قيمة البحث العلمي أصلًا؟ وكيف وصلنا إلى هذا المستوى من التراجع؟
قد يبدو استكشاف الفضاء للبعض ترفًا لا معنى له، خصوصًا في ظل أزمات يومية نعيشها. لكن الحقيقة أن هذا “الترف” هو الوجه المتقدم لعقلٍ قرر منذ زمن بعيد أن يسأل، أن يجرّب، وأن يتجاوز حدوده. الفضاء ليس سوى نتيجة، أما السبب الحقيقي فهو الإيمان بالعلم كقوة تغيير.
البحث العلمي ليس رفاهية تُمارس في المختبرات البعيدة، بل هو العمود الفقري لأي نهضة حقيقية. هو الذي يحوّل الأسئلة إلى حلول، والأفكار إلى واقع. هو الذي يجعل أمةً قادرة على أن تصنع دواءها، وتطوّر صناعتها، وتبني استقلالها المعرفي.

بدون البحث العلمي، نصبح مجرد مستهلكين لما ينتجه الآخرون، ننتظر، نشتري، ونُقلّد
أما سؤال: كيف وصلنا إلى هذا التخلف؟ فهو في الحقيقة ليس سؤالًا واحدًا، بل سلسلة من الأسئلة المؤلمة. وصلنا حين تحوّل التعليم إلى عملية حفظ لا فهم، وحين أصبح السؤال جرأة غير مرغوب فيها بدل أن يكون بداية المعرفة. وصلنا حين تراجع الاهتمام بالعلم، وهاجرت العقول، وتقدّمت أولويات أخرى على حساب بناء الإنسان.
لكن، رغم كل ذلك، فالتخلف ليس قدرًا محتومًا. هو نتيجة مسار، ويمكن تغييره بمسار آخر. البداية لا تكون بمقارنة أنفسنا بالآخرين، بل بإعادة طرح السؤال الصحيح: ماذا نريد أن نكون؟
هل نريد أن نبقى نتساءل عن جدوى ما يفعله غيرنا؟ أم نريد أن نصبح جزءًا من هذا الفعل؟
في النهاية، ليست المشكلة في الفضاء… بل في المسافة التي تفصلنا عن فكرة الوصول إليه.
هشام بوغابة



