فن وثقافة

أندلسيات طنجة: حين تتحول الموسيقى من سماعٍ إلى تجربة

فاجأ الفنان أحمد الماعي جمهور طنجة الذوّاق للموسيقى الراقية، خلال مشاركته في الدورة الخامسة عشرة من مهرجان أندلسيات طنجة، المنظمة تحت شعار «الإنسانية جامعة شعوب الأرض»، في احتفالية حملت عنوان «ترانيم النور… من الأندلس إلى الأراضي المنخفضة»، وكانت الأراضي المنخفضة ضيف شرف هذه الدورة.

منذ اللحظات الأولى للحفل، وجد الجمهور نفسه أمام مشهد موسيقي غير مألوف. فرقة تجمع موسيقيين من خلفيات وجنسيات وأنماط موسيقية مختلفة، الأمر الذي أثار فضول الحاضرين وتساؤلهم: ما الذي يمكن أن يجمع كل هذه الألوان الموسيقية في تجربة واحدة؟

لكن الإجابة لم تتأخر كثيراً.

فما قدمه أحمد الماعي لم يكن مجرد عرض موسيقي بالمعنى التقليدي، بل تجربة فنية حاولت أن تفتح للموسيقى أبواباً جديدة، حيث تلتقي الآلة بالروح، والتقنية بالفكرة، والتراث بالبحث عن آفاق جديدة.

كان العود في قلب هذه التجربة، لكنه لم يظهر باعتباره آلة تؤدي دوراً منفرداً فحسب، بل كصوت قادر على الحوار مع آلات وتقاليد موسيقية مختلفة. وهنا بدت الفكرة الأساسية التي حملها الماعي إلى خشبة المهرجان: الموسيقى لا تتوقف عند حدود الآلة أو المدرسة أو الجغرافيا، وإنما تستطيع أن تتطور كلما التقت بتجارب إنسانية وفنية جديدة.

وكما غيرت التكنولوجيا طرق تواصل الإنسان وإبداعه، فإن الإبداع الموسيقي نفسه قادر على أن يغير طريقة تلقينا للموسيقى؛ ليس فقط من خلال الصوت، وإنما من خلال الفكرة والإحساس والبحث الروحي.

وقد بدا واضحاً أن الماعي لا ينظر إلى الموسيقى باعتبارها أصواتاً تُسمع فقط، بل باعتبارها مساحة للتأمل والتواصل. وهذا ينسجم مع رؤيته للعود باعتباره رفيقاً يمنح الإنسان الراحة والتأمل والتواصل العميق، وهي رؤية تجعل الآلة تتجاوز وظيفتها التقنية لتصبح وسيلة للتعبير عن الإنسان من الداخل.

لذلك، لم يكن تنوع الفرقة في بداية الحفل مجرد فسيفساء من الموسيقيين والجنسيات والأنماط، بل تحول مع تقدم العرض إلى رسالة فنية بحد ذاته: اختلاف اللغات الموسيقية لا يعني بالضرورة تباعدها، بل يمكن أن يكون مدخلاً إلى حوار جديد بينها.

وهنا ربما تكمن قيمة تجربة أحمد الماعي في هذه الدورة من مهرجان أندلسيات طنجة: أن يجعل الجمهور يعيد التفكير في السؤال نفسه: ما هي الموسيقى؟

هل هي مجرد نغم وإيقاع وانسجام بين الآلات؟

أم أنها، في لحظة معينة، تصبح لغة تتجاوز السمع، وتلامس الذاكرة والوجدان، وتحيي في الإنسان شيئاً لا تستطيع الكلمات دائماً أن تسميه؟

في تجربة الماعي، بدا أن الموسيقى يمكن أن تكون ابتكاراً روحياً وفكرياً بقدر ما هي إبداع صوتي؛ وأن التراث لا يعيش فقط بتكرار ما كان، وإنما يمكن أن يستمر حين يجد فناناً يملك الجرأة على محاورته، وفتح نوافذ جديدة عليه.

وهكذا، فإن حضور أحمد الماعي في الدورة الخامسة عشرة من أندلسيات طنجة لم يكن مجرد مشاركة فنية ضمن برنامج المهرجان، بل كان تجربة موسيقية مختلفة، تضع الفن في قلب حوار مفتوح بين الأندلس، والأراضي المنخفضة، وموسيقى العالم، وبين الإنسان وصوته الداخلي.

فالموسيقى، في النهاية، قد تبدأ من الأذن… لكنها حين تكون صادقة، تصل إلى القلب.

فقد وُلد الفنان أحمد الماعي بمدينة طنجة سنة 1983، ونشأ في أسرة متشبعة بالموسيقى، فكان والده الراحل مصطفى الماعي من أوائل من شجعوه على هذا المسار. وفي سن التاسعة التحق بالمعهد الوطني للموسيقى بطنجة، حيث بدأ تكوينه الموسيقي، قبل أن ينفتح على الموسيقى الشرقية والصوفية، ويكتشف تدريجياً عمق الموسيقى الأندلسية وتنوع روافدها الشعرية والإيقاعية.

طوّر الماعي مهاراته في العزف على عدد من الآلات الموسيقية، قبل أن يصبح العود رفيقه الأساسي. وقد شارك منذ عامه الأول في العزف ضمن فرق موسيقية، وحصل على جائزة «أفضل عازف» في مهرجان وطني، كما واصل تكوينه وتدريبه الموسيقي، إلى جانب تجربته في تدريس الموسيقى وتقديم العروض والحفلات الوطنية و الدولية و مع فنانين عالميين.

وقد ساهم هذا المسار المتنوع في تكوين شخصيته الفنية، التي لا تنظر إلى الفن باعتباره موسيقى فحسب، بل باعتباره وسيلة للتأمل والتواصل الروحي، وجسراً للحوار بين مختلف الثقافات والتجارب الموسيقية.

هشام بوغابة 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى