إقتصاد

 “الشناقة”.. فيروس الاقتصاد الذي يقتات على جراح الوطن

​في اللحظات التاريخية الحرجة، حيث تعصف الحروب باستقرار القارات وتشتعل أسعار المحروقات لتهدد لقمة عيش الكادحين، تنتظر الشعوب من مسؤوليها “حضناً” للأزمة وحمايةً للمواطن. لكن الواقع الصادم يكشف عن بروز كائنات موازية تقتات على الأنين، وتزدهر في مستنقعات الفوضى؛ إنهم “الشناقة”.

​إن مصطلح “الشناق” لم يعد مقتصرًا على وسيط في سوق للماشية، بل تحول إلى عقيدة اقتصادية مشوهة تقوم على مبدأ “مصائب قوم عند قوم فوائد”. هؤلاء لا ينتجون قيمة مضافة، ولا يساهمون في نمو وطني، بل هم “ثقوب سوداء” في سلسلة التوزيع، يمتصون جهد الفلاح الصغير وجيب المواطن الفقير، ليراكموا ثروات مغمسة بعرق المقهورين.

​إن المسؤولية هنا لا تقع فقط على عاتق “الشناق” الجشع، بل تمتد لتطال الغياب المريب للدور الحمائي لمؤسسات الدولة. عندما يترك المسؤولون السوق لمنطق “الغاب”، ويغيب التخطيط الاستباقي لاحتواء الأزمات، فإنهم يمنحون هؤلاء الوسطاء شرعية غير مكتوبة للتحكم في رقاب الناس.

​ما يثير الاستغراب والأسى، هو التناقض الصارخ بين ادعاء الانتماء لهذا الوطن وبين ممارسات الاحتكار. فأين هو الحس الوطني حين يُخزن القمح أو الزيت ليرتفع ثمنه في يد اليتيم والأرملة؟ وأين هو الوازع الديني من قوله ﷺ: “لا يحتكرُ إلَّا خاطئٌ”؟ إن “الشناقة” اليوم يمارسون إلحاداً أخلاقياً، حيث يعبدون الدرهم ويقدسون الأزمات، ضاربين بعرض الحائط قيم التكافل والتراحم.

​إن مواجهة غلاء المحروقات وتبعات الحروب تتطلب جبهة داخلية متماسكة، وهذه الجبهة لا تستقيم بوجود “طابور خامس” من المحتكرين. إن الوطن لا يحتاج إلى “شناقة” يمتصون دماءه، بل إلى مسؤولين يضربون بيد من حديد، ومواطنين يتحلون بروح المسؤولية. الأزمة ستمر، لكن التاريخ لن ينسى من خان جاره وأخاه في وقت الشدة.

​خلاصة القول: الاستغلال في وقت الأزمات ليس “ذكاءً تجارياً”، بل هو خيانة عظمى للقيم الإنسانية والوطنية.

هشام بوغابة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى