منوعات

حين تكشف الأمطار عرى البناء…ثقافة عمرانية مريضة

لم تكن التساقطات المطرية الغزيرة التي عرفتها المناطق الشمالية هذا العام استثناء مناخيا فقط، بل كانت مرآة قاسية لما نخفيه تحت طبقات الطلاء. فقد انهارت جدران، تسربت المياه إلى البيوت، وظهرت الرطوبة ككائن صامت يفضح عيوب البناء، لا كطارئ، بل كدليل إدانة.

المشكلة ليست في المطر.

المطر جزء من ذاكرة هذا المجال الجغرافي، زائر موسمي متوقع.

المشكلة في عمرانٍ يتصرف كأنه بني في صحراء جافة، لا في شمال رطب.

لقد شُيدت آلاف المساكن دون احترام:

لعلوم التربة

لمنطق العزل

لخصوصية المناخ المحلي

وكأن البناء صار عملية إسمنتية لا هندسية، تقاس بالمتر المربع لا بالسلامة والاستدامة.

الرطوبة التي تتسلل إلى البيوت ليست مجرد خلل تقني، بل أثر جانبي لثقافة عمرانية مريضة: ثقافة تستبدل المهندس بالتوقيع،

وتستبدل الدراسة بالنسخ،

وتستبدل الرقابة بالغضّ عن الطرف.

إن ما نشهده اليوم من فيضانات موضعية واختناق للمجاري المائية نتيجة مباشرة لعمران يرفض الإنصات للطبيعة، ويصرّ على إخضاعها بدل التعايش معها.

فحين تبنى المدن ضد المناخ،

يصبح أول مطر قوي إعلان فشل.

هذا النقد ليس ضد المطر

بل ضد عقلية البناء السريع،

وضد تطبيع الرداءة،

بل ضد من حول السكن إلى سلعة، والمدينة إلى مخزن بشري، والفضاء إلى رقم في دفتر الصفقات.

ضد عمران بلا ذاكرة، بلا حس، بلا مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان والمكان.

إن ما نحتاجه اليوم ليس مزيدًا من الإسمنت، بل عودةً إلى معنى البناء: أن تبني يعني أن تفهم، أن تحترم، أن تُصغي.

فالعمران الحقيقي لا يقهر الطبيعة، بل يعقد معها ميثاقا؛

ومن يخرق هذا الميثاق، ستذكّره الأرض – عاجلًا أم آجلًا – أن الخرسانة لا تنتصر على القوانين، وأن المدن التي تُبنى بلا عقل… تُختبر بالماء.

هشام بوغابة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى