كرة القدم… دبلوماسية الفرح في مواجهة جهل الصراع…

يجب أن نعطي لكل شيء حقّه، وأن نضع الأمور في سياقها الطبيعي دون تهويل أو استغلال. كرة القدم، في جوهرها، ليست أكثر من لعبة، لكنها في عمقها الإنساني أكبر من مجرد تنافس على الكرة أو صراع على نتيجة. هي لغة عالمية يفهمها الجميع، مساحة مشتركة تلتقي فيها الشعوب مهما اختلفت لغاتها، أديانها، وتاريخها السياسي. على المستطيل الأخضر تتراجع الحدود، ويصبح الفرح واحدًا، والحزن واحدًا، والهتاف واحدًا، حتى وإن اختلفت الألوان والرايات.
لقد كانت كرة القدم، ولا تزال، شكلاً من أشكال الدبلوماسية غير المباشرة؛ دبلوماسية ناعمة لا تُوقّع بالمعاهدات ولا تُدار خلف الأبواب المغلقة، بل تُمارَس عبر الاحترام المتبادل، والروح الرياضية، والاعتراف بالآخر شريكًا في اللعبة لا عدوًا في المعركة. مباراة واحدة قد تفتح نافذة تفاهم حيث فشلت السياسة، وقد تخفف من توترٍ صنعته خطابات متشنجة، لأن الإنسان حين يشاهد مباراة، يعود – ولو مؤقتًا – إلى إنسانيته الأولى: الرغبة في الفرح، والاحتفال، والانتماء الجميل لا العدواني.
لكن المشكلة تبدأ حين تُنتزع كرة القدم من معناها الطبيعي، وتُحمَّل أكثر مما تحتمل. حين تتحول من رياضة إلى أداة تعبئة، ومن منافسة شريفة إلى ذريعة لبث الكراهية، ومن فرح جماعي إلى وقود لنزاعات فارغة. هنا لا تكون المشكلة في اللعبة، بل في العقول التي تختزل الأوطان في نتيجة، والكرامة في هدف، والهوية في فوز أو خسارة. النزاعات التي تُبنى على مباريات كرة قدم ليست إلا نزاعات هشّة، أساسها الجهل، ويغذيها خطاب شعبوي يستثمر في الانفعال بدل الوعي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نُربّي أجيالًا تعتقد أن الانتصار الرياضي تفوق أخلاقي، وأن الخسارة إهانة وطنية، وأن الخصم في الملعب عدو في الحياة. بهذا المنطق، نخسر الرياضة، ونخسر الإنسان معًا. فالرياضة وُجدت لتعلّمنا تقبّل الخسارة قبل الاحتفال بالفوز، واحترام الخصم قبل السخرية منه، والاعتراف بالآخر لا إلغاؤه.
كرة القدم ليست ساحة حرب، ولا ينبغي أن تكون امتدادًا لصراعات سياسية أو تاريخية لم يحسمها العقل. هي مساحة اختبار لنضج الشعوب: إمّا أن نرتقي بها إلى مستوى الجسر بين الثقافات، أو نهوي بها إلى مستوى الشرارة التي تشعل نزاعات بلا معنى. والاختيار، في النهاية، ليس بيد اللعبة، بل بيدنا نحن: هل نريد كرة قدم تُقرّب بين الشعوب، أم كرة قدم تُستخدم ذريعة لتبرير ما لا يُبرَّر؟
إن إعطاء كل شيء حقه هو أول أشكال الحكمة، وكرة القدم حقها أن تبقى رياضة… لا أكثر، ولا أقل.
فلا يمكن الحديث عن فضاء رياضي نقي دون التوقف عند دور الفاعلين الأساسيين في هذه المنظومة، وفي مقدمتهم اللاعبون، والمشرفون عليهم، والمؤسسات الوصية وعلى رأسها الوزارة. فالمسؤولية هنا جماعية، ولا تقل أهمية عن دور الجماهير نفسها، لأن السلوك في القمة ينعكس بالضرورة على القاعدة.
اللاعب ليس مجرد منفّذ داخل الملعب، بل هو قدوة رمزية، وصورة حيّة تُقلَّد وتُستنسخ في الشارع والمدرج والمدرسة. حركة واحدة، كلمة واحدة، إشارة غضب أو احترام، قد تبني وعيًا أو تهدمه.
كتبه/ هشام بوغابة



