يوميات الطنجاوي العربي ختوتة ككاتب وناشر في الغربة ….معرض بروكسل للكتاب 2026… انتصار الثقافة على الحواجز

منذ انطلاق معرض الكتاب عام 1969 — والمعروف اليوم بـ “معرض بروكسل للكتاب” — وأنا أواظب على زيارته بذات الشغف الذي يسكن قلب كل محب للكتب، مدفوعاً بمتعة اللقاءات والبحث الثمين عن إهداءات الكتاب.
صحيح أنه في عام 1989، أتيحت لي الفرصة للمشاركة بعملي “الحب ليس عاراً أبداً”، وهو مجموعة ثنائية اللغة (فرنسية–هولندية) من القصائد ونصوص الأغاني، عُرضت في معرض “Boekenbeurs” في أنتويرب. لكنني لم أكن لأجرؤ قط — ولا حتى في أقصى طموحات أحلامي — على تخيل أن يأتي يوم يكون فيه أحد كتبي هو المحتفى به، أو أن أحظى بامتياز لقاء قرائي هنا في بروكسل.
لقد فرضت الكتابة نفسها عليّ، تماماً كالقراءة، كضرورة قصوى وشبه حيوية: إنها طريقتي في سكن هذا العالم، وتغذية الروح بقدر الجسد، وتهدئة ذلك العطش الذي لا يرتوي للمعنى.
في عام 2003، تجلى التقدير من خلال منحي الجائزة الثقافية لمدينتي “شيربينهوفل-زيخيم”. كنت أكتب حينها كما يتقدم المرء في المجهول، محمولاً برغبة الكتابة وحدها، تاركاً للمستقبل مهمة رسم بقية الطريق. ثم جاء اللقاء الحاسم مع طارق سليكي، من منشورات “سليكي أخوين” بطنجة. ومن هذا الحوار بين أفقين، ولد بعد مخاض طويل عملي الأول: “طنجة، بروكسل”، وهي سيرة ذاتية تنسج خيوط مدينتين وعالمين.
إن استقبال الجمهور لنا، الذي اتسم بالدفء والتشجيع، منحنا القوة لإخراج عمل ثانٍ إلى النور: “طنجة، ملتقى الثقافات”، الذي ظل طويلاً في حالة سبات، بانتظار ناشر والإمكانيات اللازمة لولادته.
وبفضل الدعم المالي من صديقين — وهما راعيان حقيقيان، أشكرهما جزيلاً مع كتمان اسميهما لحمايتهما من الأطماع — وبالإضافة إلى الالتزام المخلص لمنشورات “سليكي أخوين” بطنجة، وجد هذا المشروع أخيراً طريقه… وأي طريق!
من معارض الكتاب في بلغاريا إلى المكسيك، ومن كازاخستان إلى قطر، رُسم المسار عبر اللقاءات والآفاق المتعددة. واليوم، تفتح مرحلة جديدة: مرحلة معرض بروكسل للكتاب 2026 في موقع “تورس آند تاكسي” (Tours & Taxi) المرموق، كعودة إلى الجذور، محملة بالعواطف والمعاني.
لأسباب ستظل بالنسبة لعامة الناس لغزاً — أو ربما صمتاً مريحاً للغاية — لم تمنح إدارة خدمات التأشيرات الإخوة سليكي تأشيراتهم في الوقت المحدد. أكان ذلك رغبة متعمدة أم مجرد إهمال؟ أترك الحكم للجميع. لكن الثابت هو أنه رغم الحجز القانوني والوجود الفعلي لكتبهم التي شُحنت من المغرب، فقد مُنع قدومهم. إنه وضع يصعب فهمه، والأصعب من ذلك قبوله.
لذا، كان عليّ أن أتحمل وحدي مسؤولية إدارة الرواق، قاطعاً كل يوم 120 كيلومتراً، ومواجهاً زحام المرور في رحلة تستغرق قرابة ثلاث ساعات ذهاباً وإياباً. فعلت ذلك التزاماً مني، ولكن أيضاً بشيء من المرارة تجاه وضع ما كان ينبغي له أن يوجد أبداً. ومع ذلك، وكما نقول في ثقافتنا: “ماشي خسارة في طارق ديالنا”.

لولا الدعم اللامحدود من الأصدقاء، ومن بينهم محمد بريمو، ومحمد حراك، وعبد الله بوعرفة، والحموشي، لكانت المهمة أثقل بكثير. لقد كان حضورهم بمثابة حصن في وجه هذا العبث.
وها أنا ذا، في قلب هذه المغامرة، أضع قبعتين: الناشر والكاتب — وهي تجربة فريدة، متطلبة ومثرية بعمق في آن واحد. “رواقنا” — وأقصد به رواق “سليكي أخوين” — ورغم تهميشه في ظل عمالقة النشر الفرنسي، لم يكن أقل إقبالاً وازدحاماً. وكما نقول في دارجتنا: “اللي ما شرى يتنزه”.
قوتنا كانت تستند إلى سببين جوهريين: أولاً، كنا الوحيدين الذين قدمنا للزوار كتباً باللغة العربية بتنوعها الشامل. ثانياً، وبدون حسابات مسبقة — وهذا لم يزد إلا تأكيداً للبديهة — فإن اسم “طنجة” يمتلك قوة جذب استثنائية: إنه ينادي، يغوي، ويبيع نفسه بنفسه. بعض المارة كانوا يبتعدون بضع خطوات فقط، ثم يعودون أدراجهم كأن قوة خفية تشدهم. كانت نظراتهم التي تعلقت بالرواق تضيء فجأة، وتنفجر فرحتهم قائلين: “إنها طنجة!”. عندها، يتناولون كتاباً، يتصفحونه بخشوع صامت، بينما تطفو في عيونهم حنين عذب يكاد يُلمس.
بالتأكيد، لم يشترِ كل زوار المعرض؛ فكثيرون كانوا يتجولون فيه كما يزور المرء متحفاً تعرض فيه أغلفة الكتب لوحات فنية.
كان من المفترض أن يكون يوم 27 مارس هو “يومنا الموعود” — وعداً واحتفالاً. كانت تجمعنا مائدة مستديرة: الناشر طارق سليكي، وأنا، والصحفي مصطفى بيض، الوجه السابق للتلفزيون المغربي. بدا كل شيء جاهزاً لتتدفق الكلمات وتنبض الأفكار بالحياة. لكن كرسي الناشر ظل فارغاً للأسباب المذكورة، وهو غياب كان دويه أقوى من أي حضور.
ومع ذلك، ارتقى النقاش محمولاً بالصوت الواثق لـ “مايسترو” رفض الصمت. وجدت الكلمات طريقها رغم كل شيء. وأمام نظرات الحضور الأوفياء، اشتعل النقاش — برهاناً على أن الشغف لا يحتاج إلى حشود ليعيش، بل يحتاج فقط إلى أرواح صاغية.
اليوم، انتهى معرض بروكسل للكتاب 2026؛ فليحيا معرض 2027، على أمل أن تكون إدارة التأشيرات قد استوعبت أخيراً أن الثقافة تستحق تعاملاً أكثر رقيّاً.
يوميات الطنجاوي العربي ختوتة في معرض بروكسل للكتاب 2026
حاوره هشام بوغابة



