طنجة… حين تفقد المدنُ ذاكرتها

لم تعد طنجة كما كانت… أميرةً ذات شأن، تجلس على عرش البحر، وتعرف أن للمدن أرواحًا، كما للإنسان ذاكرة.
طنجة اختارت أن تتحرر من حبيبها هرقل، ذلك الذي، من أجلها ضحى بالغالي و النفيس ،فمنذ أن أغوتها الحكاية، بدأت تخلع ثوبًا بعد ثوب، وتستعير عطرًا ليس عطرها، وتبحث عن ذاتها في مرايا الآخرين.
لم تكن المشكلة أن تتغير طنجة… فالمدن، مثل البشر، لا تعيش إلا بالتغير. المصيبة أن تتغير حتى تنسى لماذا كانت جميلة.
أصبحت تمتهن العناد علنًا، وتتعمد أن تخالف صورتها الأولى، وكأنها تريد أن تثبت للعالم أنها تحررت… بينما قد يكون التحرر، أحيانًا، أقسى أشكال الضياع حين نفقد البوصلة.
ثم رحلت عن أولادها…
منهم من رحل عنها نجاةً بنفسه، ومنهم من بقي بين دروب الحياة، يلتقط من موائد اللئام ما يسدّ جوعه، ويبحث عن معنى في مدينةٍ بدأت تفقد معناها.
ولأن الأم حين تفقد أبناءها، لا تفقدهم دفعةً واحدة… بل تفقدهم حين يصبحون غرباء عن ذاكرتها، غادر بعضهم طنجة، وبقي بعضهم فيها… لكن الغريب أن الذي بقي، قد يكون هو الآخر قد رحل.
فما معنى أن تسكن المدينة، إن لم تعد المدينة تسكنك؟
طنجة اليوم ليست مجرد أبنية تتعالى، ولا طرقًا تتسع، ولا واجهات تتبدل… فالمدينة لا تُقاس بما تضيفه إلى الإسمنت، بل بما تحافظ عليه في الإنسان.
ربما لم ترحل طنجة عن أبنائها… ربما نحن الذين رحلنا عنها، حين قبلنا أن نعيش فيها دون أن نشبهها.
فليست المدن هي التي تفقد هويتها أولًا… بل أبناؤها حين يتوقفون عن الدفاع عن ذاكرتها.
وطنجة… إن كانت قد نسيت نفسها، فربما ما زال في أبنائها من يستطيع أن يذكّرها.
هشام بوغابة



