جهوي

فيضان القصر الكبير… عندما يُغرقنا تبادل الاتهامات

في أعقاب فيضان القصر الكبير، لم تكد مياه الوادي تنحسر حتى ارتفع منسوب آخر أكثر خطورة: منسوب الاتهامات. فبدل أن يتحول الحدث إلى لحظة وطنية للتفكير الهادئ والمساءلة الرصينة، انجرف الخطاب العام سريعا نحو تبادل المسؤوليات، وتوزيع اللوم، وكأن الكارثة لم تكن كافية بذاتها.

مرة أخرى، وجدنا أنفسنا أمام المشهد المألوف: كل طرف يملك روايته الجاهزة، وكل “مؤثر” يتحول فجأة إلى خبير في الهندسة، والتخطيط الحضري، وتدبير المخاطر، و تخوين المواطنين و آداءهم الإنساني تجاه الكارثة ….دون معطيات دقيقة أو معرفة بالسياق المحلي. وبين الاتهام والتخوين، ضاع السؤال الحقيقي: كيف نحمي الأرواح، وكيف نمنع تكرار المأساة؟

إن فيضان القصر الكبير ليس مجرد حادث طبيعي عابر، بل اختبار حقيقي لقدرتنا على إدارة الأزمات بعقل جماعي. فالعلم واضح في هذا الباب: الفيضانات نتيجة تداخل عوامل متعددة، من تغير مناخي يرفع منسوب التساقطات، إلى اختلالات في التهيئة العمرانية، 

الأخطر من الفيضان نفسه، هو هذا السلوك المتكرر الذي يحول كل مرة كل كارثة إلى معركة كلامية. فحين ينشغل الرأي العام بتبادل الاتهامات، تتأجل المحاسبة الحقيقية، وتضيع المسؤولية المؤسسية بين الضجيج. هنا بالضبط يظهر غياب الحكماء: أولئك الذين كان دورهم أن يوجهوا النقاش من سؤال “من أخطأ؟” إلى سؤال “كيف نُصلح؟”.

لقد كشفت أحداث القصر الكبير هشاشة خطابنا العمومي بقدر ما كشفت هشاشة البنية التحتية. فالأوطان لا تحتاج، في لحظات الشدة، إلى أصوات تُؤجج الغضب، بل إلى عقول تُعيد ترتيب الأولويات: إنقاذ، تقييم، إصلاح، ثم مساءلة مبنية على معطيات لا على انفعالات.

إن الفيضان قد يكون قضاء طبيعيا، لكن الفوضى التي تلته هي صنيعتنا. وإذا لم نتعلّم كيف نختلف بعقل، ونحاسب بحكمة، فسنظل نغرق كل مرة… حتى وإن جفت المياه.

هشام بوغابة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى