«الوطن الذي نريده لأبنائنا»

كل واحد منا يحلم، بطريقة أو بأخرى، أن يرى وطنه في حال أفضل.
ليس بالضرورة أن نحلم بوطن مثالي؛ فالأوطان مثل الناس، لها نقاط قوتها وضعفها، ولها تاريخها وأخطاؤها. لكننا نحلم بوطن يستطيع فيه الإنسان البسيط أن يعيش بكرامة، وأن ينظر إلى مستقبل أبنائه بشيء من الاطمئنان.
أتخيل طفلًا يدخل المدرسة دون أن يكون الفقر عائقًا أمام أحلامه. أتخيل مدرسة لا تكتفي بتلقين الدروس، بل تساعد الطفل على اكتشاف قدراته، وعلى التفكير والسؤال والاختلاف. وأتخيل شابًا لا يشعر أن الطريق الوحيد لبناء مستقبله هو البحث عن مكان آخر.
وأتخيل شيخًا أفنى سنوات من عمره في العمل، يجد في نهاية الطريق احترامًا يليق بما قدمه. فالشيخوخة ليست عبئًا على المجتمع، بل جزء من ذاكرته؛ وهؤلاء الذين سبقونا هم الذين تركوا لنا الطرق والمنازل والمدارس والمهن والخبرات التي نعيش بينها اليوم.
وأتخيل مريضًا يدخل المستشفى وهو يحمل مرضه فقط، لا مرضه وخوفه من المصاريف والانتظار والبحث عن من يساعده.
وأتخيل مواطنًا يقف أمام الإدارة وهو مطمئن إلى أن القانون واضح، وأن حقه لا يتوقف على معرفة شخص أو امتلاك نفوذ.
هذه التفاصيل تصنع صورة الوطن الحقيقية.
فالوطن ليس فقط خريطةً وحدودًا ونشيدًا وذاكرةً مشتركة؛ الوطن أيضًا هو الطريقة التي نعامل بها الطفل، والمريض، والشيخ، والموظف، والعامل، والشاب الذي يبحث عن فرصة.
ومن هنا الاعتقاد أن الحديث عن التغيير ليس ترفًا.
لا يقصد بالتغيير أن يتكر كل ما تحقق، ولا أن نتعامل مع الماضي وكأنه كان كله خطأ. هناك أشياء بُنيت، وتجارب نجحت، وأناس بذلوا جهدًا صادقًا. لكن الاستمرار في الحياة يعني أيضًا أن نراجع أنفسنا.
فما كان مناسبًا بالأمس قد لا يكون كافيًا اليوم.
والعالم يتغير بسرعة، بينما بعض طرق التفكير والإدارة والعمل ما زالت تتحرك بالسرعة نفسها التي كانت عليها منذ سنوات. هنا يصبح التغيير ضرورة، لا مجرد رغبة.
نحتاج إلى مسؤولين ينظرون إلى المنصب باعتباره مسؤولية يومية، لا امتيازًا شخصيًا. نحتاج إلى كفاءة تجد طريقها، وإلى قانون يطبق على الجميع، وإلى مؤسسات تستطيع أن تعترف بالخطأ وتصححه بدل أن تخفيه.
وربما نحتاج، قبل كل ذلك، إلى شجاعة السؤال.
ماذا نريد أن يكون عليه وطننا بعد عشرين سنة؟
ليس ماذا نريد أن نسمع عنه، ولا ماذا نريد أن نقول عنه، بل ماذا سيجد فيه أبناؤنا عندما يصبحون في أعمارنا؟
اليوم هو بالفعل ابن الأمس. وهذه حقيقة لا يمكن الهروب منها. لكن الغد سيكون ابن اليوم أيضًا.
لذلك لا أرى فائدة كبيرة في أن نبقى أسرى لما كان. الماضي يجب أن نفهمه، لا أن نسكن فيه.
نحن نحب هذا الوطن، ولهذا نتمنى أن يتغير نحو الأفضل.
والحب الحقيقي، في نظري، ليس أن نرى كل شيء جميلًا لأننا نحبه، بل أن نرى ما يحتاج إلى إصلاح، ونمتلك الشجاعة لنقوله، والأمل لنؤمن بإمكانية إصلاحه.
ربما لن نرى كل ما نحلم به.
لكن يكفينا أن نترك لأبنائنا وطنًا أفضل قليلًا مما وجدناه، وأن نكون قد أضفنا شيئًا بدل أن نكتفي بالشكوى مما ينقصنا.
فالتغيير الكبير قد يبدأ أحيانًا من سؤال بسيط:
هل نستطيع أن نجعل الغد أفضل من اليوم؟
هشام بوغابة



