فن وثقافة

حين تصبح قاعة الدرس قاعة لمجلس الأمن… تجربة في المحاكاة الدبلوماسية

#

**الجمعة 6 نونبر 2026**

ليس من السهل أن نضع تلميذًا أمام تجربة تحاكي إحدى أعقد المؤسسات الدولية، وأن نطلب منه أن يتقمص دور دبلوماسي، أو ممثل دولة، أو عضو في مجلس الأمن، فيتحدث باسم موقف، ويناقش قضية، ويقدم حججًا، ويتفاعل مع مواقف الآخرين وفق قواعد تحكم الحوار والتفاوض.

لكن ما قامت به جمعية الفردوس للتربية والتنمية، بمناسبة عيد الوحدة وترسيخ قيم الوحدة المغربية، أثبت أن المحاكاة ليست مجرد نشاط تمثيلي، بل هي وسيلة تربوية قادرة على تحويل المعرفة النظرية إلى تجربة حية.

فقد احتضن مركز التربية والتكوين للمرأة نشاطًا تربويًا متميزًا، تمثل في محاكاة دبلوماسية لجلسة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بتأطير الأستاذ القدير عمر كركيش، رئيس اللجان بجمعية الفردوس، وبالتنسيق مع نادي التنمية الذاتية والتوجيه المدرسي بالثانوية.

ولعل أجمل ما في هذه التجربة هو أن المشاركين لم يكونوا مجرد تلاميذ يتابعون مجريات جلسة دولية، بل كانوا جزءًا من تفاصيلها؛ يتقمصون الأدوار، يستحضرون مواقف الدول، يناقشون، يترافعون، ويختبرون عمليًا معنى أن يكون للكلمة وزن، وللموقف مسؤولية، وللحوار قواعد.

لقد أضفت المحاكاة على النشاط طابعًا مميزًا، حيث لم يعد مجلس الأمن مجرد مؤسسة دولية نقرأ عنها في الكتب أو نتابع أخبارها عبر وسائل الإعلام، بل أصبح فضاءً تربويًا مصغرًا، تُستحضر فيه آليات النقاش الدبلوماسي، وتُمارس فيه مهارات الإنصات، والإقناع، والتفاوض، واحترام الاختلاف.

وكانت قضية الوحدة الترابية للمملكة المغربية محور هذه المحاكاة، من خلال استحضار القرار الأممي رقم 2797 ومقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007، في إطار السيادة المغربية. وهي مناسبة أتاحت للمشاركين التعبير عن مواقفهم، وفهم أبعاد القضية الوطنية ضمن سياقها الدولي.

وقد كان أداء التلميذات والتلاميذ متميزًا، خاصة أولئك الذين تربوا في أحضان جمعية الفردوس، حيث عكسوا مستوى من الثقة بالنفس والقدرة على التواصل والتفاعل، يستحق الإشادة والتنويه.

إن أهمية هذا النشاط لا تكمن فقط في موضوعه، بل في منهجيته أيضًا. فالمحاكاة تتيح للمتعلم أن يخطئ ويتعلم، أن يناقش ويقنع، أن يتقمص دورًا مختلفًا عن دوره المعتاد، وأن يدرك أن فهم القضايا لا يتحقق بمجرد حفظ المعلومات، بل من خلال تحليلها، ومناقشتها، واختبارها في مواقف عملية.

وإذا كانت هذه المبادرة تعد تجربة رائدة من حيث الفكرة والتطبيق، فإنها تفتح المجال أمام أنشطة تربوية أكثر ابتكارًا، تجعل من المدرسة والجمعية فضاءين متكاملين لبناء شخصية المتعلم، وتنمية حسه النقدي، وتعزيز قدراته على المشاركة الفاعلة في المجتمع..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى