فن وثقافة

رحم الله الفنان الكبير عبد الوهاب الدكالي

يرحلون تباعًا…

وكأنّ الزمن الجميل يطوي صفحاته الأخيرة بصمت موجع.

فبعد رحيل الفنان الكبير عبد الهادي بلخياط، ها هو اليوم عملاق الأغنية المغربية عبد الوهاب الدكالي يترجل عن مسرح الحياة، تاركًا خلفه فراغًا كبيرًا في الوجدان المغربي والعربي، وحزنًا عميقًا لا يشبه إلا حزننا على زمن الفن الحقيقي.

لم يكن عبد الوهاب الدكالي مجرد فنان عابر في ذاكرة الأغنية المغربية، بل كان حالة فنية وإنسانية متكاملة؛ صوتًا دافئًا، وإحساسًا راقيًا، ولحنًا يحمل روح المغرب بكل تفاصيله.

كان من القلائل الذين استطاعوا أن يحوّلوا اللهجة المغربية إلى لغة عشق يفهمها كل العرب، دون أن تتخلى عن أصالتها أو تفقد نكهتها المحلية الجميلة. فغنّى المغربي والجزائري والتونسي والليبي والمصري والعراقي والسوري واللبناني والخليجي معه، ورددوا كلماته كما لو أنها خرجت من وجدانهم هم.

حين كان الدكالي يغني “مرسول الحب”، لم يكن يرسل أغنية فقط، بل كان يرسل دفئًا وحنينًا ورسائل حبّ عابرة للحدود.

وحين صدح بصوته في “كان يا ما كان” و“ما أنا إلا بشر”، كان يختصر أحلام جيل كامل عاش على بساطة الفن وصدق الكلمة ونبل الإحساس.

كانت أغانيه تدخل البيوت العربية بهدوء، فتجمع العائلة حول الراديو والتلفاز، وترافق لحظات الحب والفرح والحنين، حتى أصبحت جزءًا من ذاكرة الناس وحياتهم اليومية.

لقد مثّل عبد الوهاب الدكالي مرحلة ذهبية كان فيها الفنان يحمل رسالة، وكانت الأغنية تُصنع بروح لا بخوارزميات، وبإحساس لا بضجيج.

كان فنانًا مثقفًا، هادئًا، أنيق الحضور، متصالحًا مع فنه وجمهوره، لا يحتاج إلى إثارة أو ضوضاء ليبقى في القمة، لأن القيمة الحقيقية لا يطويها الزمن.

وربما ما يجعل هذا الرحيل أكثر ألمًا، أنه يأتي في وقت يشعر فيه المغاربة بأن رموزهم الفنية الكبيرة تغادر الواحد تلو الآخر، وكأن جيلًا كاملًا من الجمال والصدق ينسحب بهدوء تاركًا خلفه فراغًا يصعب تعويضه.

فبرحيل هؤلاء، لا نفقد أصواتًا فقط، بل نفقد أجزاءً من ذاكرتنا الجماعية، من طفولتنا، ومن صور آبائنا وأمهاتنا وهم يرددون تلك الأغاني في البيوت والأعراس واللقاءات العائلية.

سيبقى عبد الوهاب الدكالي حاضرًا رغم الغياب، لأن الفنان الحقيقي لا يموت حين يتوقف قلبه، بل حين تتوقف أعماله عن الحياة… وأعماله ما زالت تنبض في قلوب الملايين.

سيبقى صوته حيًا في المقاهي القديمة، وفي سيارات المسافرين ليلًا، وفي إذاعات الصباح، وفي ذاكرة كل من عرف معنى الطرب الأصيل.

رحم الله الفنان الكبير عبد الوهاب الدكالي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه والشعب المغربي والأمة العربية جميل الصبر والسلوان.

وداعًا لمرسول الحب…

وداعًا لصوتٍ كان يشبه الوطن.

هشام بوغابة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى