وطني

التصوف بين الحقيقة والواقع

حين نتأمل التراث الصوفي، نجد أنه قام على أسسٍ واضحة: محبة الله، ومحبة الإنسان، وتزكية النفس، وكسر الكِبر، ونبذ الكراهية، وإصلاح القلب قبل الانشغال بإصلاح الآخرين. فالتصوف في جوهره ليس طقوسًا ولا ألقابًا ولا انتماءات، بل هو رحلةٌ أخلاقية وروحية غايتها أن يصبح الإنسان أكثر رحمةً، وأكثر تواضعًا، وأكثر قربًا من الحق.

غير أن المتتبع لواقع بعض الطرق الصوفية في المغرب يلاحظ مفارقة تستحق الوقوف عندها. ففي الوقت الذي تُرفع فيه شعارات المحبة والتسامح، تظهر أحيانًا ممارسات لا تنسجم مع تلك المبادئ؛ إذ يتحول الاختلاف إلى خصومة، والنقد إلى عداوة، والانتماء إلى وسيلة للإقصاء، حتى يصبح من لا ينتمي إلى الطريقة، أو من يختلف معها، موضع ريبة أو تهميش.

وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن لمدرسةٍ تُربي على محبة الخلق أن تسمح بنمو ثقافة الإقصاء؟ وكيف يمكن لمن يدعو إلى تطهير القلب أن يحمل في قلبه ضغينةً تجاه من يخالفه؟ إن هذه المفارقة ليست أزمة التصوف، وإنما أزمة الإنسان حين يلبس ثوب التصوف دون أن يتخلق بأخلاقه.

إن التصوف الحقيقي لا يصنع أتباعًا يدافعون عن الأشخاص، بل يصنع أحرارًا يدافعون عن القيم. ولا يجعل الشيخ غايةً، وإنما يراه دليلًا إلى الله، فإذا تحولت العلاقة إلى تقديسٍ للأشخاص، وذاب الفكر في الطاعة العمياء، فقدت التربية الروحية معناها، وأصبح الانتماء أقوى من الحقيقة.

ولا يمكن إنكار أن المصالح الدنيوية قد تتسلل إلى بعض المؤسسات الدينية، فتختلط الدعوة بالنفوذ، والرسالة بالمكانة الاجتماعية، والذكر بالمنافسة على الأتباع. وحين يحدث ذلك، يصبح الدين وسيلةً لتحقيق المكاسب، بدل أن يكون وسيلةً لتحرير الإنسان من عبودية المصالح.

لقد كان كبار المتصوفة يرون أن أعظم الجهاد هو جهاد النفس، وأن أخطر الحجب ليست حجب المعصية، بل حجب الكبر والعجب وادعاء امتلاك الحقيقة. ولذلك كانوا يخافون من الشهرة أكثر من خوفهم من الفقر، لأن الشهرة قد تُغري النفس بما يفسد إخلاصها.

إن الحاجة اليوم ليست إلى نقد التصوف، بل إلى إحياء روحه الأصيلة؛ روح المحبة التي تتسع للجميع، وروح التواضع التي تعترف بإمكان الخطأ، وروح الرحمة التي لا تجعل الاختلاف سببًا للكراهية. فحيثما حضرت المحبة الصادقة حضر التصوف، وحيثما حضرت الكراهية والتعصب والمصالح، غاب التصوف وإن كثرت الشعارات والرايات.

إن الحقيقة الروحية لا تُقاس بعدد المريدين، ولا بحجم الزوايا، ولا بكثرة الاحتفالات، وإنما تُقاس بقدر ما يثمره السلوك من رحمة وعدل وتواضع وحب للناس جميعًا. فمن امتلأ قلبه بمحبة الله، اتسع قلبه لخلق الله، ومن ضاق صدره بالمخالف، فما زال في طريقه إلى الحقيقة، ولم يبلغها بعد.

هشام بوغابة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى