محلي

ركنُ السيارة بين القانون وانعدام الأخلاق…

ليس المشهد مجرد سيارة متوقفة في مكانٍ ممنوع، ولا مجرد deuxième position تعطل المرور لبضع دقائق، بل هو صورةٌ صغيرة لطريقة تفكير كاملة.

هناك من يعتقد أن الشارع خُلق على مقاس استعجاله، وأن حقوق الآخرين يمكن تأجيلها قليلًا إلى أن ينتهي من قهوته، أو مكالمته، أو “مشواره السريع”. يترك سيارته وسط الطريق ويختفي مطمئنًا، بينما خلفه تبدأ سلسلة طويلة من الضيق: منبّهات سيارات، وازدحام، وتوتر، وشخصٌ تأخر عن عمله، وأمٌّ تحاول المرور، وسائقٌ آخر يبتلع غضبه بصمت.

الغريب أن كثيرين لا يرون في الأمر مشكلةً أخلاقية؛ فما دامت المخالفة بسيطة، أو الشرطي غير موجود، فكل شيء يبدو عاديًا. لكن الأخلاق لا تبدأ عند حضور القانون، بل عند غيابه. أن تكون محترمًا فقط خوفًا من الغرامة، فذلك ليس احترامًا، بل مجرد تجنّبٍ للعقوبة. أما الأخلاق الحقيقية، فتظهر حين تستطيع أن تُزعج الناس… ثم تختار ألّا تفعل.

ركن السيارة في مكانٍ ممنوع ليس مجرد خطأ في السياقة، بل هو أحيانًا إعلانٌ صامت عن الأنانية: “وقتي أهم من وقت الجميع.” وdeuxième position ليست وضعية ركنٍ فحسب، بل وضعيةٌ ذهنية أيضًا؛ أن تضع نفسك فوق النظام، وفوق راحة الآخرين، وفوق فكرة العيش المشترك.

فالمدن لا تختنق بعدد السيارات فقط، بل بعدد الأشخاص الذين يظنون أن القواعد خُلقت للآخرين. ونحن لا نحتاج دائمًا إلى قوانين أكثر، بل إلى ضميرٍ أكثر. لأن أجمل ما في الأخلاق أنها لا تُمارس تحت المراقبة، بل تُمارس لأن الإنسان الداخلي يرفض الأذى، حتى لو كان بسيطًا وعابرًا.

ولا تكتمل الأخلاق إلا باكتمال مظاهرها: احترام الطريق، واحترام الوقت، واحترام تعب الناس، واحترام تلك الحقيقة البسيطة… أن الشارع ليس ملكًا لأحد، بل مساحةٌ نتشاركها جميعًا.

هشام بوغابة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى