المعرض الدولي للنشر والكتاب 2026: إشعاع ثقافي وحضور فكري مميز للدكتور عبد الرزاق الحاجيوي

شهدت الدورة الحادية والثلاثون من المعرض الدولي للنشر والكتاب 2026، التي احتضنها فضاء السويسي بمدينة الرباط ما بين 30 أبريل و10 مايو 2026، نجاحاً لافتاً وإقبالاً جماهيرياً غير مسبوق، حيث تجاوز عدد الزوار 502 ألف زائر، في رقم يعكس المكانة المتنامية للمعرض باعتباره أحد أبرز التظاهرات الثقافية في العالم العربي والإفريقي.
وجاءت هذه الدورة في سياق ثقافي استثنائي، تزامناً مع اختيار الرباط عاصمةً عالميةً للكتاب لسنة 2026 من طرف اليونسكو، ما أضفى على المعرض بعداً دولياً وحضوراً ثقافياً متنوعاً.
كما عرفت الدورة مشاركة قياسية لما يقارب 890 عارضاً يمثلون 61 دولة، مع عرض أكثر من 130 ألف عنوان في مختلف مجالات المعرفة والإبداع. وحلّت فرنسا ضيف شرف لهذه الدورة، فيما تم الاحتفاء بالرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة باعتباره الشخصية الرمزية للدورة.
وتميّز المعرض أيضاً بانفتاحه على الفضاءات العمومية، من خلال تنظيم أنشطة ثقافية خارج أسوار المعرض شملت الساحات العامة والمستشفيات ووسائل النقل، في خطوة تهدف إلى تقريب الكتاب والثقافة من مختلف فئات المجتمع.
وقد لفتت الأنظار مشاركة الأستاذ الدكتور عبد الرزاق الحاجيوي، لما يجمعه من حضور بين عالمي الطب والكتابة، إلى جانب اهتمامه بالفن التشكيلي كرسام.
ويُعد الدكتور عبد الرزاق الحاجيوي طبيباً مختصاً في الطب الفيزيائي وإعادة التأهيل، وأستاذاً باحثاً بكلية الطب والصيدلة بطنجة التابعة لـ جامعة عبد المالك السعدي، كما يشغل مهام أستاذ التعليم العالي زائر بعدد من الجامعات والمعاهد، ويُعتبر خبيراً دولياً في مجالات الصحة العامة والإعاقة وإعادة التأهيل.

ويمتلك خبرة تتجاوز 16 سنة في دعم وتطوير النظم الصحية، خاصة في البلدان ذات الموارد المحدودة، من خلال تعاونه مع منظمة الصحة العالمية، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، والتحالف العالمي لإعادة التأهيل، إلى جانب عدد من المؤسسات الوطنية والدولية.
وتركّز أعماله البحثية على دراسة الأزمات الصحية الكبرى وأثرها في تطور السياسات الصحية، مع اهتمام خاص بتاريخ بناء النظام الصحي بالمغرب، انطلاقاً من مأساة الزيوت المغشوشة سنة 1959، وصولاً إلى ترسيخ مفهوم رعاية الإعاقة وإعادة التأهيل داخل المنظومة الصحية الوطنية.
كما يُعد مؤلفاً ومحرراً لعدة كتب وفصول علمية، من أبرزها كتاب إعادة تأهيل البالغين بعد السكتة الدماغية: من الإصابة إلى الإدماج، إضافة إلى مساهماته في منشورات علمية دولية مرجعية، من بينها أعمال تابعة لـ الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة.
ويشارك أيضاً في مبادرات دولية كبرى، مثل مبادرة إعادة التأهيل 2030، وحزمة تدخلات إعادة التأهيل التابعة لـ منظمة الصحة العالمية، بهدف تعزيز نظم صحية أكثر شمولاً وإنسانية واستدامة.
ويُوثّق كتاب «كارثة الزيوت المغشوشة (1959): من المأساة إلى بناء منظومة الصحة وإعادة التأهيل بالمغرب» للدكتور عبد الرزاق الحاجيوي واحدةً من أخطر الكوارث الصحية التي عرفها المغرب بعد الاستقلال، إثر التسمم الجماعي الناتج عن الزيوت المغشوشة، والذي تسبب في إصابة آلاف الأشخاص بالشلل والإعاقات الدائمة، مخلفاً آثاراً إنسانية واجتماعية عميقة.
ويعتمد الكتاب مقاربة تاريخية وطبية ووبائية واجتماعية لتحليل ظروف وقوع الكارثة وتداعياتها الصحية والمؤسساتية، مع إبراز دورها في تطور منظومة الصحة العمومية وظهور برامج إعادة التأهيل والعناية بالأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب.
كما يستعرض السياق السياسي والاقتصادي والصحي للمغرب أواخر خمسينيات القرن الماضي، ويحلل الجوانب الوبائية والسريرية للتسمم، وآليات تعويض الضحايا، والتحديات التي واجهوها لعقود طويلة.
ويخلص الكتاب إلى مجموعة من الدروس الاستراتيجية المرتبطة بالوقاية والسلامة الصحية والحكامة الصحية والحماية الاجتماعية، مؤكداً أهمية حفظ الذاكرة الجماعية وتعزيز ثقافة العدالة الصحية والإدماج الاجتماعي.
ويشكل هذا العمل، في الآن ذاته، توثيقاً تاريخياً وعلمياً، وتحيةً إنسانيةً لضحايا كارثة ما تزال حاضرة في الذاكرة الصحية الوطنية بالمغرب.
هشام بوغابة



