ظاهرة العنف في المجتمع المغربي: بين تعدد الأسباب وضرورة الحلول الشاملة

لم يعد العنف في المجتمع المغربي مجرد حالات معزولة أو أحداث عابرة، بل أصبح ظاهرة مقلقة تتكرر يوميًا بأشكال مختلفة، من شوارع المدن إلى المدارس، ومن داخل الأسر إلى الملاعب. نستيقظ على أخبار مؤلمة، تحمل في طياتها خسائر مادية ومعنوية، وأحيانًا أرواحًا بريئة تُزهق في لحظات اندفاع أو تهور. مشهد بات يطرح أكثر من سؤال حول ما الذي يحدث داخل بنية المجتمع، ولماذا تتفاقم هذه الظاهرة بهذا الشكل اللافت.
من السهل إرجاع أسباب العنف إلى عامل واحد، كضعف التربية أو تراجع القيم، غير أن الواقع أكثر تعقيدًا. فالعنف هو نتيجة تداخل عدة عوامل اجتماعية واقتصادية وتربوية ونفسية. فالضغوط المعيشية المتزايدة، وارتفاع نسب البطالة، وشعور فئة من الشباب بالتهميش وانسداد الأفق، كلها عوامل تغذي الإحباط، الذي قد يتحول إلى سلوك عدواني في غياب قنوات صحية للتعبير والتفريغ.
ولا يمكن إغفال دور المنظومة التربوية، التي لم تعد قادرة في كثير من الأحيان على مواكبة التحولات المتسارعة. فالتعليم لا ينبغي أن يقتصر على نقل المعارف، بل عليه أن يرسخ قيم الحوار، والتسامح، وضبط النفس، وهي مهارات أساسية للعيش المشترك. كما أن ضعف التأطير النفسي داخل المؤسسات التعليمية يترك فراغًا يؤثر بشكل مباشر على سلوك المتعلمين.
أما الأسرة، فهي بدورها تواجه تحديات متزايدة، سواء بسبب الضغوط الاقتصادية أو التغيرات الاجتماعية، مما قد يؤدي إلى ضعف في التوجيه أو غياب التواصل الفعال مع الأبناء. وفي ظل هذا الفراغ، قد يجد الشباب أنفسهم عرضة للتأثر بنماذج سلبية، سواء في الواقع أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت تنقل وتضخم مشاهد العنف بشكل مستمر.
وفي الفضاءات العامة، خاصة الملاعب، يتحول الحماس أحيانًا إلى انفلات، نتيجة غياب التأطير الكافي، وضعف ثقافة التشجيع الرياضي، لتصبح هذه الأماكن شرارات قابلة للاشتعال بدل أن تكون فضاءات للمتعة والترفيه.
أمام هذا الوضع، يبرز تساؤل مشروع حول دور الجهات المعنية، ومدى قدرتها على مواكبة هذه التحولات. فرغم وجود مجهودات تبذل على مستويات مختلفة، إلا أن أثرها لا يزال محدودًا في نظر المواطن، ما يعكس حاجة ملحة إلى سياسات أكثر قربًا من الواقع، وأكثر فعالية في الوقاية قبل التدخل.
إن مواجهة ظاهرة العنف لا يمكن أن تتم بحلول جزئية أو ظرفية، بل تتطلب رؤية شاملة تقوم على إعادة الاعتبار للتربية داخل المدرسة والأسرة، وتعزيز التأطير الشبابي عبر أنشطة ثقافية ورياضية منظمة، إلى جانب دعم الصحة النفسية، وتقوية حضور القانون بشكل عادل ورادع. كما أن الخطاب التوعوي، سواء الديني أو الإعلامي، يجب أن يتجه نحو بناء الإنسان المتوازن، القادر على التحكم في انفعالاته والتفاعل الإيجابي مع محيطه.
في النهاية، يبقى الأمل قائمًا في قدرة المجتمع المغربي على تجاوز هذه التحديات، فكما أن مظاهر العنف أصبحت أكثر وضوحًا، فإن نماذج الخير والتضامن لا تزال حاضرة بقوة، لكنها تحتاج إلى من يبرزها ويدعمها، لتكون بديلاً حقيقيًا يعيد التوازن إلى المجتمع.
هشام بوغابة



