الرأي

قراءة في أزمة المنظومة لا أزمة الأشخاص…الكذب الانتخابي

في كل مرة تبرز فيها فضيحة سياسية، أو تصريح غير مسؤول، أو سلوك يتعارض مع أبسط قواعد الأخلاق العامة، يتكرر السؤال نفسه: كيف وصل هؤلاء إلى مواقع المسؤولية؟ وكيف يمكن لشخص يتحدث باسم المواطنين أن يفتقر إلى الدقة أو النزاهة أو الحس الأخلاقي؟

لكن السؤال الأعمق ليس: لماذا يوجد مسؤول سيئ؟ بل لماذا يتكرر ظهور هذا النموذج باستمرار رغم تغير الأسماء والوجوه والأحزاب والشعارات؟

تبدأ الأزمة حين تتحول الأخلاق من معيار أساسي إلى عنصر ثانوي يمكن الاستغناء عنه.

في كثير من الأحيان يصبح النجاح مرتبطاً بالقدرة على المناورة لا بالاستقامة، وبالعلاقات لا بالكفاءة، وبالصورة الإعلامية لا بالإنجاز الحقيقي. ومع مرور الزمن يترسخ لدى الأفراد شعور بأن الصدق لا يكفي، وأن النزاهة ليست شرطاً للنجاح، وأن الخطاب أهم من الفعل.

في مثل هذه البيئة يصبح الكذب الانتخابي أمراً عادياً، وتتحول الوعود إلى أدوات دعائية لا التزامات أخلاقية.

وحين تتكرر هذه الممارسات لعقود، لا يعود الناس يتفاجؤون بوجودها، بل يتفاجؤون أحياناً بوجود استثناءات نزيهة.

لا يمكن الحديث عن إصلاح سياسي حقيقي دون الحديث عن إصلاح تربوي عميق.

فالمدرسة ليست مؤسسة لتلقين المعلومات فقط، بل فضاء لتشكيل المواطن. داخلها يتعلم الفرد احترام القانون، وقيمة العمل، ومعنى المسؤولية، وثقافة الحوار، وأهمية التفكير النقدي.

وعندما يضعف هذا الدور التربوي، ويتحول التعليم إلى مجرد عملية للحصول على شهادة، فإن المجتمع يخسر إحدى أهم أدوات صناعة المواطن المسؤول.

فالأزمة ليست في نقص المعارف فقط، بل في نقص التربية المدنية والأخلاقية التي تجعل الإنسان قادراً على تحمل المسؤولية العامة.

المنظومة التي تنتج منتخباً غير مسؤول قادرة أيضاً على إنتاج طبيب لا يؤدي واجبه كما ينبغي، أو مهندس يفتقد الضمير المهني، أو موظفاً يستغل سلطته، أو تاجراً يقدم الربح على الأمانة.

ولهذا فإن الحديث عن الفساد السياسي بمعزل عن بقية المجالات يبقى ناقصاً.

فالسياسي ليس سوى مرآة مكبرة لأمراض موجودة بدرجات مختلفة داخل المجتمع كله.

وحين نرى خللاً متشابهاً في قطاعات متعددة، فإن ذلك يدل على وجود أزمة قيم مشتركة تتجاوز حدود المهنة أو المنصب.

فكلما ضعفت المحاسبة، ازداد احتمال تكرار الخطأ. وكلما شعر المسؤول أن وعوده لن تُراجع وأن أداءه لن يُقيَّم وأن أخطاءه ستُنسى مع مرور الوقت، أصبح أكثر استعداداً لتكرارها.

إن المجتمعات المتقدمة لم تصل إلى مستويات عالية من النزاهة لأن أفرادها ملائكة، بل لأنها بنت مؤسسات تجعل الكلفة السياسية والأخلاقية للخطأ مرتفعة.

أما حين تغيب ثقافة المساءلة، فإن الفشل يصبح قابلاً للتكرار دون ثمن حقيقي.

رغم قتامة الصورة أحياناً، فإن اختزال المشكلة في فساد شامل يؤدي إلى نوع من الاستسلام الجماعي.

فالمنظومات ليست قدراً ثابتاً، بل هي نتاج قرارات بشرية يمكن تعديلها وتحسينها.

لقد شهدت دول كثيرة أزمات عميقة في الأخلاق العامة والإدارة والسياسة، لكنها استطاعت عبر إصلاح التعليم وتعزيز المؤسسات وترسيخ ثقافة المحاسبة أن تغير مسارها تدريجياً.

التغيير الحقيقي لا يبدأ من موسم انتخابي واحد، بل من مشروع مجتمعي طويل يعيد الاعتبار للقيم والمعرفة والكفاءة.

قد يكون من السهل أن نغضب من مسؤول أخطأ أو منتخب كذب أو سياسي خذل الناس، لكن من الصعب أن نعترف بأن المشكلة أوسع من الأفراد.

إن تكرار السلوكيات نفسها رغم تغير الأشخاص يكشف أن الخلل ليس في الوجوه فقط، بل في البيئة التي تصنع تلك الوجوه.

فحين تصبح المدرسة عاجزة عن بناء المواطن، وتضعف ثقافة المسؤولية، وتتراجع قيمة الصدق والكفاءة، فإن المجتمع كله يدفع الثمن.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يوجد مسؤول سيئ؟

بل: ما الذي يجعل المجتمع يعيد إنتاجه مرة بعد أخرى؟

وعندما نجد الجواب عن هذا السؤال، نكون قد وضعنا أيدينا على بداية الطريق نحو الإصلاح الحقيقي.

هشام بوغابة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى