فاتح ماي بطعم مغربي… بين معاناة العمال وزيف النضال وزيف الوعود…

في كل فاتح ماي، تتجه أنظار العالم نحو فئة صنعت الحضارة بعرقها، وشيّدت أسس الحياة بجهدها وصبرها. يومٌ يُفترض أن يكون اعترافًا جماعيًا بقيمة العامل، ووقفة تقدير لتضحياته التي لا تُحصى. غير أن لهذا اليوم في المغرب طعمًا مختلفًا… طعمًا تختلط فيه رمزية الاحتفال بمرارة الواقع.
يمر فاتح ماي عامًا بعد عام، لكن بالنسبة لعدد كبير من العمال، لا يحمل جديدًا يُذكر. لا تحسنًا ملموسًا في الأجور، ولا ضمانًا حقيقيًا للكرامة، ولا استقرارًا يطمئن النفوس. وكأن الزمن في حياة هؤلاء لا يتقدم، بل يستهلك أعمارهم بصمت، عامًا بعد عام، بين انتظار لا ينتهي وأمل يتآكل تدريجيًا.
في الشوارع، ترتفع الشعارات. في المنصات، تُلقى الخطب. كلمات رنانة عن الحقوق والعدالة الاجتماعية والإنصاف. لكن سرعان ما تتبخر هذه الكلمات مع انتهاء اليوم، لتعود الحياة إلى رتابتها القاسية، وكأن شيئًا لم يكن. يتحول النضال، في كثير من الأحيان، إلى طقس موسمي، تُعاد فيه نفس العبارات، دون أن تلامس جوهر المعاناة.
المؤلم أكثر، أن العامل الذي يُفترض أن يكون في قلب الاهتمام، يجد نفسه في هامش الحسابات. بين نقابات فقدت جزءًا كبيرًا من مصداقيتها، وأحزاب باتت تُغلب منطق المصالح السياسية على حساب قضايا الناس، يضيع صوت العامل، وتُختزل مطالبه في بيانات وتصريحات لا تُترجم على أرض الواقع.
لقد أصبحت بعض أشكال “النضال” أقرب إلى مشهد استعراضي، تُرفع فيه اللافتات، وتُلتقط الصور، وتُسجل الحضور، بينما الواقع الاجتماعي يزداد تعقيدًا. العامل البسيط، الذي يستيقظ باكرًا ليؤمن قوت يومه، لا يهمه من كل ذلك إلا شيء واحد: أن يعيش بكرامة، أن يشعر أن جهده مُقدَّر، وأن مستقبله ليس رهينة للغموض.
وإذا كان فاتح ماي مناسبة للتقييم، فإن المؤشرات لا تبعث دائمًا على التفاؤل. هشاشة الشغل، ضعف الحماية الاجتماعية لدى فئات واسعة، تفاوتات صارخة في الدخل، وضغوط يومية تُثقل كاهل الأسر… كلها علامات تطرح أكثر من علامة استفهام حول جدوى هذا الاحتفال في شكله الحالي.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال الصورة في السواد فقط. فوسط هذا الواقع، لا تزال هناك أصوات صادقة، وعمال يؤمنون بحقوقهم، وشباب يسعون إلى إعادة الاعتبار لقيم التضامن والعدالة. الأمل لا يموت، لكنه يحتاج إلى فعل حقيقي، لا إلى شعارات مؤقتة.
إن فاتح ماي في المغرب ليس مجرد تاريخ في التقويم، بل هو مرآة تعكس عمق الاختلالات، وفرصة لإعادة طرح الأسئلة الجوهرية:
أين نحن من كرامة العامل؟
هل تحولت الحقوق إلى مجرد خطابات؟
ومن يتحمل مسؤولية هذا الفارق بين ما يُقال وما يُعاش؟
يبقى الحلم قائمًا… أن يأتي يوم يصبح فيه فاتح ماي عيدًا حقيقيًا، لا يُحتفل فيه بالكلمات، بل بالإنجازات. يوم يشعر فيه العامل أن صوته مسموع، وأن كرامته مصونة، وأن النضال لم يكن عبثًا.
إلى أن يتحقق ذلك، سيظل هذا اليوم يحمل في طياته مفارقة مؤلمة: احتفال عالمي… وواقع محلي يبحث عن الإنصاف.
هشام بوغابة



